عن الأرق وأعوانه.

لا أذكر متى بدأت علاقتي الشائكة مع الأقزام التي تملأ الشرفات المنتفخة أسفل عيناي صخبًا كل صباح، ولكنني منذ أشهر عالق معهم وأعتقد أنها تظن الشرفات المنتفخة أسفل عيناي أراجيح؛ ابتسم فتصعد الشرفات حتى يكاد لا يدخل النور إلى عيني فيهلل الأقزام، أعبس فتنزل الشرفات ويهللون أيضًا. “هيه هييه” يملؤون الدنيا صراخًا كأطفالٍ يصابون بالمشاغبة للمرة الأولى وأنا أحاول إقناعهم بالصمت بينما يأكل وجهي خجل يحمل سؤالًا واحدًا: هل جننت حقًا؟! طوال النهار أحاول جاهدًا أن أقنع الأقزام المجنونة التي تبدأ بالصراخ على كل من يمر بجواري: مرحبا، مرحبا. بينما تتدلى رؤوسهم الصغيرة كسنابل أثقلها الفضول بالصمت، أو بالمشاغبة بهدوء. وأنا متعب، أرهقتني ملاحقة أقزام شرفات عينيَّ طوال النهار، وأنا نعسان، هل صارت الساعة الثانية صباحًا بعد؟ لا أريد أن أنظر، عيناي متعبتان تنسكب فيهما عتمة الغرفة كما تنسكب تلك العتمة اللزجة إلى ساعة اليد ذات العقارب تحت وسادتي. لا أحب ساعات العقارب أبدًا والأمر ليس لأنني مضطرٌ أن أدرب نفسي على قراءتهم من جديد، لا، القصة أوضح، يا رجل إنها عقارب، كيف أسلم يدي بيديَ إلى العقارب؟ عقارب، ألفظ الكلمة عشر مرات بينما أحاذر ألَّا يلسعني حرف الراء، أحاول النوم، يجافيني، ألفظها عشر مراتٍ أخرى فتلسعني وأنا أريد أن أنام، أن أنام فقط. هذا ما يزعجني، أنا لا أستطيع النوم، كل ليلةٍ علي أن أغرق في هذه البركة المعتمة، في الماضي وعلى سواحل النصيرات، كانت قدماي الطويلتان تساعدانني لأمشي في البحر، كنت أتمشى، لم أكن أسبح، والآن أتجرع الندم على عدم تعلمي للسباحة كل ليلة بينما أغرق ببطء في بركة هذا الأرق المعتمة.

افترشَتْ الأقزام المشاغبة الشرفات المنتفخة أسفل عيناي ونامت بعمق، وأنا أهرب، تركض عقارب الساعة خلفي، تطاردني أسئلتي والذاكرة. أين أنا في هذا العالم الواسع؟ أين نحن؟ هذا العالم الواسع مخيف، أشعر أنني أختفي، إنه يبتلعني وأنا أضيع، من أنا؟ ما هو مستقبلنا؟ البارحة كان طلحة، زميل غرفتي الذي اكتشف أنه شركسي منذ ثلاثة سنوات فقط، يناقش مواطنيه عن واجب العودة، وبحرقة يحكي عن الرجوع ولو بعد مئتي سنة. أضيع، تتكاثف الأسئلة علي، هل كان الإعجاب بإحداهن أمرًا موجعًا إلى ذلك الحد؟ هل أنا أحب حزني؟ أعني هل أن تحب اللغة يعني أن تحب حزنك لتكتبه؟ طب ماذا عن سعادتك؟ يا لعنة اللغة، يا لعنة اللغة! طب أيهما أكثر شجاعةً، الانتحار أم اختيار البقاء على قيد الحياة؟ أفكر، أشتهي أن أزيح الستائر الحديدة المصنوعة من قلقي، رغبتي بالانتحار وحزني والتي تغطي كل ذلك المجهول، لكن يا رجل ما هو المجهول؟ أهو العالم أم نحن؟ أهرب، أشتهي لو أستطيع أن أوجِّه لكمةً واحدةً لأسئلتي، أو أن أعلقها على أي عامود كهرباء أصادفه، لكن كيف يواجه الواحد منا أسئلته؟ هذا صعب، أنا لا أعرف، وهذا هو الغرق الحقيقي أن لا تعرف!

وأنا إذا استجمعت شجاعتي، رتبت للكلمات المحتجزة عند سور شفتيّٙ موعدًا مع سقوطٍ جماعيٍّ أسميه انتحارًا وتسمونه لغةً، واعترفت أنني مصابٌ بشوق مزمن، هل سأرتاح؟ اللغة تتقافز في قلبي، تريد أن تقفز عن سور شفتيَّ دون أن تمعن النظر إلى الأسفل، ولكن ماذا لو لم تستطع اللغة الاختباء في أذني من يجب أن يسمعها؟ إن قلبي لا يطيعني، هل رأيتم رأس كلمة مهشمٍ من قبل؟ ها، هل رأيتم؟ واللغة تمسكني من يدي برقةٍ وتهمس لقلبي: “لا تخف، الطريق ليست طويلة!” وقلبي يتقافز كاللغة داخله، أنا أنساب، أقع مني، أود لو أسقط بلا أن أمعن النظر إلى الأسفل، ولكنني في الحقيقة أود أن أطير، تتعلق اللغة بي كما يتعلق أطفالٌ بملاك الحلوى، وتسأل ببلاهة: “وما الفرق؟” أسرح، أتأمل العتمة في الغرفة وأجيب: “الطيران سقوطٌ إلى حيث تريد، على قدميك لا على رأسك”. تتعلق اللغة مذهولةً بثيابي أكتر بينما تعيد تذوق الكلمة، طيرااان، تمد الألف كما لو أنها تجرب الإقلاع من الطاء المنفجرة في الحلق على زُحلوقة الراء وفي سماء حرف الألف هبوطًا في صحن حرف النون كنقطة، طيران، نقطة، طيران، نقطة. تستغرب اللغة، لقد وجدت مجنونًا بإمكانه أن يجاريها، وأنا نعسان، لا في الحقيقة أنا أريد أن أطير، أن أجد قلبًا أسقط فيه على قدمي دون أن يتهشم رأسي ككلمة أردنا أن يسمعها حبيب ولكنها سقطت على الأرض، تهشمت، أريد أن أطير، أن أختبئ من أسئلتي والأرق في قلبٍ ما!

منذ أشهر وأنا لا أستطيع أن أقنع هذا الأرق السمج بأن يترك ياقة قميصي ويدعني لشأني. إنني أغرق والوقت ثقيل في هذه الغرفة المظلمة وأنا أسميه أرقًا بينما هو في الحقيقة لعنة، أسميه أرقًا أو مؤامرةً أو حظًا سيئًا لكنني أهرب من تلك الكلمة، وأنا لست جبانًا لأهرب من كلمة، أعني أنني لست الجبان الوحيد، إنني لا أفعل سوى ما فعله الأجداد المتخيلون منذ مئات السنين، فالعربي وبينما توشك أن تخنقه اللغة المتزاحمة في فمه اعتراضًا أو غضبًا، قال: “في فمي ماء”، والحقيقة أن ما في فمهم كان شوكًا وأنهم هربوا من سلطة كلمةٍ قاسيةٍ إلى سلطة كلمة أخرى أقل قسوة، وأنا أتفهم، أتفضل أن يكون في فمك ماءٌ أم شوك؟ والعرب اختارت أن يكون في فمها الماء. شوك، تبدو كلمة مرعبة، شوك، نقاط الشين الثلاثة تطلق كسهامٍ في الحلق وتستدعي في الذاكرة حركةً لا إراديةً لقدمٍ تلسعها شوكة فتنتفض. “في فمي شوك”، هذا ما أراد الأجداد المتخيلون قوله منذ مئات السنين، إنهم يخدعونك ويقولون بأن العرب ثلاثة أصناف: عربٌ بائدة، وعربٌ عاربة، وعربٌ مستعربة، هذه يا صديقي كذبة، هربٌ آخرٌ من سلطة كلماتٍ قاسيةٍ إلى سلطة كلماتٍ أقل قسوة، في الحقيقة نحن، ومنذ الأبد عربٌ هاربة، في هرب مستمر ومن كلمات!

إنني أهذي والعقارب تستمر بدورانها الجنوني أسفل وسادتي، تتسلى بلسع حصتي من الثواني بصمت. اللغة تستمر بالتزاحم عند سور شفتي، تريد أن تجرب الطيران أو قتلي وأنا أتقلب، أتقلب أكثر، أفكر في الغد الذي يجب أن أستيقظ فيه في الثامنة وكسور وأركض إلى درس التاسعة بينما أصرخ على غيوم النعاس المرابطة بجوار عيناي لتنزل، هل تسمعني غيوم النعاس تلك؟ أنا لا أعلم. أتقلب، تغزو عقلي فكرة لذيذة عن زر “إيقاف تشغيل” نضغطه، فندخل جنة النوم بسلام، نضغطه ونرتاح، هذه فكرةٌ لذيذة تراودني كل ليلة، ولكن سرعان ما تطاردني كل تلك الذاكرة، وأنا أهرب إلى ما أحب، مثلًا أنا الآن على الكرنيش في غزة، أتمشى مع الشباب، أحكي بينما تعود الشمس إلى منزلها في بحر غزة، أحكي، أسامة على يساري، يجذبني الحديث فتميل خطواتي تجاه البحر بلا أن أشعر، أوشك أن أسقط، أسامة يعدل مساري، أمشي قليلًا لكن الحديث يجذبني ثانيةُ فأميل يمينًا، تفقد قدماي اتجاههما وتميلان تجاه وسط الشارع، يعدل أبو الوليد مساري ومحمد يضحك علي، كلنا نضحك، ننسى الحديث ونبدأ من جديد. يا رجل إنني الآن أفكر بالمشي، أقع في فخ عدِّ خطواتي، حساب مسافاتها، وأخاف أن يسرقني حديثُ من ذاتي، خلص لا يجب أن أجد نفسي فجأة في وسط الشارع بعد الآن، هل هذا هو النضج؟ أن تفكر بخطواتك؟ والله؟

عقارب الساعة تدور، تلاحقني وأنا هارب أو أفضل أن أقول بأنني صرت جليس أطفال، طوال النهار ألاحق الأقزام المشاغبة وفي الليل أعلق مع اللغة الفضولية ذات العيون الواسعة التي تفيض دهشةً وفضولًا، ولكن الأصعب هو محاولتي اليومية لإقناع هذا القلب بتناول جرعته المرة من الصبر. بدل أن نحمل هذا العبء الثقيل معًا صار هذا القلب طفلًا وصرت أمه المُتْعَبة التي لا تطيعها قسوتها، أمد يدي بالدواء المر فيمتنع يلتفت عني يسارًا فأغني له، يهرب مني يمينًا فأرقص له، كل ليلة وفي هروبي الأبدي من هذا الأرق يجب أن أخترع طرق مبتكرةً لأخدع هذا القلب البائس الذي وإن لمس قشة نجاته لتحولت إلى حزن، تفتَّتت وغرق! ‏وأنا وإلى اليوم الذي تنفد فيه حيلي وأفشل في خداع الطفل اللعوب أيسر صدري ليتجرع صبره أستطيع أن أكون معكم، أي أنني سأحاول ألَّا أقفز من أقرب نافذة ولكنني بالتأكيد لن أعدكم بالتوقف عن التفكير بزر “إيقاف التشغيل” المُخلِّص، حتى لو حفرته بطلقة مسدس أضغط زناده وأرتاح!

 

صارت سنة.

لم يكن ما يمنعني من الانتحار جبني فقط، كان المستقبل أيضًا. جبني بشريٌ جدًا وواضح أما عن كيف يمنع المستقبل المرء عن تحقيق شجاعته الأولى أو هربه الحقيقيِّ الأول فهذا ما تشرحه السنة التي ضحكت ضحكاتها بوجهي وبكت دموعها بعيوني. قبل سنة، سنة كاملة وعجيبة، كنت في طريق الخروج من غزة، وهذه جملة دبلوماسية تتسلل بصمتٍ مجرمٍ بين لفظتي الانعتاق والهرب. في مثل هذه الأيام بدأت تلك الرحلة إلى “المستقبل” –أو هكذا تمنيت، حملت خطواتي بصعوبة في طريق الآلام الغزيِّ الذي أعترف أنني حاولت أن أنساه، هربت من الكتابة عنه رغم أن الذاكرة والعيون المشفقة ظلت تحاصرني به. سافرت، بدأ اغترابي بعد مخاضٍ استمر ثلاثة أيام بلا نومٍ أو طعامٍ كافيين. لاحقًا كان من الصعب أن نشرح للعيون الفضولية أن الرحلة من غزة إلى تركيا يمكن أن تزيد عن ساعات معدودة أو أن العودة في الاجازة الصيفية خطوةٌ غير مضمونة، أشرح ذلك بينما أحاول باستماتةٍ الهرب من العيون الفضولية المشفقة ومن الذاكرة ومن الأصوات داخل قلبي التي تخبرني أنه ويومًا ما سنبني من حجارة كل هذه الطرق المجبولة من دموعنا، أحلامنا، لعناتنا وبل دمائنا جنتنا\قبرنا!
كان التعب يسرق وعيي وتكاد الريح إن غضبت قليلًا أن تهدمني، لم أكن أصدق، طنين أذناي يغذي صداعي بينما تأخذ الطائرة بالتحليق. القاهرة من السماء لا تشبهها في الذاكرة أو في خيالي، كانت جميلة، أجمل منها في الحقيقة ربما. طنين أذنيَّ يزداد، يصعد الصداع عرشه وعقلي لم يكن يستطيع أن يدرك كل هذه التجارب المتتالية أما قلبي فكان معلقًا على النافذة، أردت أن أظلَّ معلقًا في السماء إلى الأبد، ألَّا ألمس الأرض، أتأملها وأفرغ فاهي دهشةً وأنا أمد يديَّ محاولًا امساكها، يخو من ذلك المجنون الذي يريد أن يمد يديه ويمسك الجبال في قبرص كما لو أنها لعبة؟ كان ذلك قلبي!
وصلنا متأخرين عن موعدنا شهرين كاملين، متعبين ولا نصدق. لقد خرجنا بعد انتظارٍ يقوي اليأس على حصتنا المحدودة من أكسجين الأمل، تجاوزنا طريق الآلام، ركبت الطائرة للمرة الأولى، وصلنا! في إسطنبول كان كل شيء غريبًا، أو ولأكون صريحًا لم يكن لدي الطاقة الكافية لاستيعاب كل تلك الأشياء من حولي، استهلكتني الرحلة ودهشة الطائرة. يخو، تعال نضحك معًا عليّ، لقد خرجت أبحث عن عبيدة وعوسج تاركًا حقيبتي في داخل المطار! في الحقيقية لم يُعدني من حالتي ما بين الصحو والنوم إلا النوم قليلًا وصينية البطاطا بالدجاج المقدسة من أيدي أبو النجار، أذكرها كما ولو كانت على فمي الآن، أذكرها، تذوب وترود الروح بعد أيامٍ لم يكن بجواري فيها إلا الماء والمسليات والقليل من الجبن، ولكنها في الحقيقة أيضًا كانت عودتي الأولى لاستيعاب الأشياء ولعدم التصديق أكثر، هل أنا قد وصلت؟
وصلت، وصارت سنة كاملة على وصولي، ما عشته هنا بالتأكيد لم يكن سنةً لكنه أيضًا ليس عامًا كما تخيلت، هذه تجربة مدهشة، جميلة وصعبة أو أن كل الأساطير التي تصاحبنا كغزازوة عن كون الخروج\الوصول هو الأصعب لم تكن بتلك الدقة. في الحقيقة لا يساوي منظر الشمس إذ تكمل لجوءها الأبدي في بحر النصيرات إلا منظر الثلج بينما يستلقي بدلالٍ على قمم الجبال مقابل صكاريا، هذه فكرةٌ ما كانت لتخطر ببالي قبل سنة كاملة، أنا مندهش وأحدق في السقف الأبيض أعلى سريري باستغراب.
منذ البارحة وأنا أحدق في السقف الأبيض، هذه عادةٌ لا أعرف متى اكتسبتها وأحاول بفشلٍ الهروب منها. السقف أبيض مما يجب، أترك كل شيء بينما يتنازع الخيال والذاكرة على دفة عقلي. هذه معركة الماضي وذكرياته وهروبي منه أو لجوئي إليه مع المستقبل وخيالاته: سوداويته وأمله، وأنا ضحية كل ذلك، في منتصف الهرب ومنتصف العودة. هذا ليس صراع ندم، لا أشعر بالندم لكننا في الكثير من الأحيان لسنا سوى ضحايا “لو” والخيارات والشوق إذ يحاصرنا اليأس والتعب.
لستم تعرفون ماما ولا أصدقائي ولكنه محزنٌ أنه صارت سنة منذ لم يعد بإمكاني أن أعترض على الطعام التي تعده ماما، أو منذ صرت أشتهيه. منذ سنة لم يعد باستطاعتي أن أجلس قبالة بحر غزة، عند “الكبينة” ذات الرقم 2، متأخرًا بدقائق قليلةٍ على أسامة ومحمد وبينما ننتظر جميعًا أبو الوليد، ملك متأخري العالم، ريثما يأتي. صارت سنة منذ آخر فرصة كان بإمكاننا أن نلعب الشطرنج معًا أنا وعز الدين. في الحقيقية أنا آسفٌ لماما التي أعطت اثنين من أبنائها للمسافة، لنفسي التي يذيقها اليأس كل مدةٍ آلامًا لم تجربها قبلًا ولأصدقائي. هذا هو الإنسان: متناقض وبائس ومحاولة فهمه لا فائدة منها. لست أفهمني وتركت محاولة فعل ذلك منذ زمن؛ ما الفائدة في فهم قلبٍ لا يطيعك؟ ها ما الفائدة؟! هذا القلب الذي تفرحه هذه التجربة المدهشة، يفرح كطفلٍ كلما تعلم كلمةً جديدةً أو نجح في الحديث بشكلٍ جيد، قلبي الذي يريد أن يلون غيوم العالم الواسع، وركوب الطائرة مرَّاتٍ أخرى، يعيش مزيج الدهشة والانسحاب للداخل، محاولة النسيان والهرب للذاكرة، وكلما حاصره يأس أو حزن هرب إلى حيزه الخاص، هرب من العالم إلى الذاكرة بيد أنه ومهما كواه حزنه ما بلبث إلا أن يسألني كعادته وببساطة طفل: يخو لديَّ صديقٌ اسمه الثلج، هل تعرفه؟! وأنا وباستسلامٍ عجيب استمر بإطاعته وانتظار الثلج بينما أحدق في السقف الأبيض جدًا!

عن الإنفلونزا والاغتراب

منذ يومين بدأت عينايَ تختبئ خلف ستار جفوني كطفلة يربكها الخجل بينما تحاول استراق النظر إلى ضيوفهم الغرباء، في الحقيقة هذا ليس صحيحًا تمامًا؛ لقد بدأت عيناي بالذبول، الوردة الجميلة التي تحب البكاء يريد أن يقطفها الذبول بينما تستمر في غرقها في تحديقٍ مطوَّلٍ في البعيد، البعيد الذي لا تراه بل تتخيله، البعيد الذي يصيُّرنا عبيدًا ويجعل الأفق طاغية، أنا لا أقول ذلك لأن حرارتي مرتفعةٌ الآن وصوتي محطَّم لكن الحقيقة أن البعيد ظل شيئًّا يسكن الهامش المكهرب في خاطري وتلك بقعة في زاوية مزعجةٌ وبعيدة لا تستطيع أمي أن تنظفها، تغضب، تناديني، لا بد أن تُنظّف، لن تتوقف عن التفكير فيها؛ لا بد أن تُنظَّف، أمي تصر، نعمل معًا، تغضب من كسلي، وحرارتي مرتفعة وبالتأكيد أنا لست أمي والبعيد بقعة في زاوية مستعصيةٍ لم أملك الشجاعة الكافية لمحاولة لمسها، إنني أخاف، لازلت أخاف مما لا أعرفه أو مما لا أريد أن أعرفه بوضوحٍ يا ماما!

لم تكن هذه المرة الأولى في غربتي التي تقود فيها الإنفلونزا جيوشها إلى صدري، ربما هي الثالثة على أقل تقدير، الشعور ليس مختلفًا، مؤلمٌ ومدججٌ بالصداع والتعب، ولكن الإنسان بالتأكيد ليس ضعيفًا إلى ذلك الحد الذي قد تهزمه فيه إنفلونزا عابرة، هذا ما كنت أظنه قبل أن أغترب، ولكن الإنفلونزا كانت أذكى مما أتصور؛ بالقليل من الإنفلونزا والكثير من الذاكرة هزمتني، تلك الإنفلونزا التي لم تكن سوى لعنة الأمهاتِ البعيداتِ أكثر مما نتصوَّر القريباتِ أكثر مما يتصوَّرنْ، وأنا سقطُّ في ذلك الفراغ بين قربهنَّ وبعدهنَّ، عَلِقتُ هناك، وقعت على وجهي وبدأت الهلوسة بحرية، هذا ما تجاهلت كتابته بل وذكره لمرات لأقنع نفسي أنه ليس أكثر من خيالات رجلٍ تلسع الحرارة المرتفعة جبينه بينما يحلم بالوجوه، الكثير من الوجوه والبعيد.

كنتُ أناديها يَمَّا\يُمَّا وإن كانت غائبة أناديها أَمِّي ولطالما أردت أن أناديها ماما وأعترف أنني ولفترة قبل أن أتصالح مع الكثير من الأشياء كنت أتمنى أن أناديها ماما وأعترف أيضًا أنني كنت أهبلًا خاف من رقَّةِ تلك الكلمة، بدت جميلة، أجمل من أن أقوم بنطقها، هل أمسكت نفسي متلبسًا وأنا أتدرب على لفظها سرًّا؟ لن أنكر ذلك لكنني تجاهلت نفسي، هَرَبْتُ مني إلى أن اعترفت الآن وعدت تائبًا إليها ولو مرةً على الورق. وأنا أتذكر الوجوه الآن، أغرق في الذاكرةِ عدوَّة الإنسان الأولى، صخرته التي يظل يحملها فوق ظهره إلى أن يَسُدَّ بها قبره في النهاية، حرارتي مرتفعة ولا صوت في الغرفة إلا صوت زكامي ولست أعلم إن كنت أحاول الاستيقاظ أو أحاول النوم، أنا ببساطة أُهلْوس ولا فاصل بين النوم أو الصحو إلا يَديْ ماما البعيدة، ماما الجميلة من سمح للشمس بالاستلقاء على جبهتي؟ ماما الجميلة من وضع قدميَّ في القطب الجنوبي؟ ماما الجميلة كيف كنت تعدين عصير الليمون ذاك؟ ماما الجميلة لماذا لا تردين؟ ماما الجميلة، أرجوك، هذه المرة فقط، زمليني زمليني، لا ملائكة بالقرب ولست أودُّ تقمُّصَ أي نبوة لكنني مشتاق ولا يطفئُ حرارة جبهتي سوى يديك أو ربما الموت. رأسي يدور، الإنفلونزا بسيطة ولكن الإنسان ضعيفٌ إلى الحد الذي قد تهدم إنفلونزا عابرةٌ مشبعةٌ بالذاكرة كل الأساطير المتخمة عن المنطق والمستقبل واستكشاف العالم والتجارب الجديدة، ببساطةٍ كل ما شيده حول نفسه ليقنعها بالصبر. هذه الإنفلونزا التي تهدم الإنسان، التي تقضم رغيف منطِقِه وتتركه عاريًا إلا من حزنه، لم تغادرني منذ أيام.

رأسي يدور وثمة موجة زكامٍ تخنق بيديها اليابستين كلمةً فكَّرت بالخروج من فمي، أحاول التأكد أنني لا أحلم، أتكبَّد عناء القيام لإشعال الضوء، تولد الغرفة من رحم الضوء بعد طول ظلام، لا شيء فيها سوى خيالاتي، غربتي والكثير من الشوق والظلال، ماما أنا آسفٌ لأنني تأخرت بالاعتراف، آسفٌ لكوني أنانيًّا يحتاج لمرضٍ يُتعبه كي يتذكر أنه، وبالمحصلة، لم ولن يعاني تجربةً أشد قسوةً من تحول ماما إلى سجينة الشاشات المسطحة!

عن النمل والفراغ.

اسمي نورالدين ولا أكره النمل ولقد دست عتبة العشرين منذ مدة قصيرة والسطور التالية غير مهمة ولا يجب أن تشغل بال أحدٍ وكاتبها بالتأكيد لا يعاني من الفراغ أو الوحدة.
مرةً كنت طفلًا ولسوء حظي المفرط شاهدْتُ بحياد الموتى نهاية قصة سرب نملٍ شجاع. حينها شاهد أطفال الحي خطًّا أسودَ طويلًا تحسبه مرسومًا على الأرض من استقامته. تبادل الصبية نظراتٍ لامعةً وجرى بعضهم لإحضار لوحٍ خشبيٍّ طويلٍ، بدا اللوح الخشبي ثقيلًا إذ اضطر أربعة صبية ضخامٍ لحمله من الأطراف، حملوه، وقفوا فوق امتداد الخط الأسود تمامًا، نزل ظله فوق الخط الأسود، تبادلوا بسماتٍ تفوح منها رائحة الجريمة، وفجأةً أسقطوا اللوح الخشبي على الخط الأسود، أطبق اللوح على النمل، وبينما لم يوجد أحدٌ ليبكي شهداء النمل تعالت ضحكات الصبية المجنونة وتناثرت رائحة نصرٍ ما في المكان. لم أحرِّك ساكنًا، لم يتجاوز دوري في تلك الجريمة ارتداء جلد الحياد وصمت، لكن ولسببٍ لا أعلمه كان عليَّ أن أدفع ثمن ذلك آلافًا من الكوابيس المدججة بالنمل، لسنوات سلب النمل حقي المقدس بنومٍ هادئٍ بل وأحيانًا اجتمعت عليَّ ليالي النمل وليالي القصف في مدينةٍ لا يزال اسمها غزة.
كل هذا الفراغ أيقظ ذكراي عن النمل بعد أن نامت على رف الروح طويلًا، أنا في العشرين، لم أعد في العاشرة وليس بالإمكان أن أهرب من سريري فزعًا إلى سرير أمي لكن يا رجل كل هذا الفراغ الذي يستهلك روحي كمدخِّنٍ عجوز لا يعامل سجائره بحنان يشبه ذلك النمل الذي ظل يلاحقني في مناماتي لسنوات، بائس وحزين ويزحف بثقةٍ وبطء، يبدو مسالمًا ولكنه إذ يقرر تدمير أحدهم: يحاصره، يسلب مناماته، ينشد أناشيده المقدسة كلما احتل بقعةً جديدةً من روحه، ولسوء حظي الشديد مشكلتي مع الفراغ/النمل أنه ليس حلمًا لأحاول الاستيقاظ منه، ببساطةٍ إنه لعنة. أشعر أنني اكتشفت الفراغ حديثًا، لم يحاصر حياتي فراغٌ كهذا من قبل، ربما تفرض ظروف اغترابي صبغتها على احساسي المفرط بالفراغ، لا أحد بالقرب، أو من نريدهم بالقربِ بعيدون، لساني جاف وحروفي بلا قدمين، ما هو الفراغ؟ هل هو النمل الذي ظل يفرض على مناماتي إتاواتهِ لسنوات؟ أم هو حيادي المجرم؟ في الحقيقة ربما أنا لا أكره النمل لأنني أخافه وأشبِّه الفراغ بالنملِ كي أتجنب مواجهته، أنا جبان، ربما، يييه أنا لا أعرف، لكنني واثقٌ أن الفراغ، الفراغ المستبد والمدجج بالوحدة والغربة، أقوى من أن أواجهه، ربما!
هذه الأيام وفي كل الأيام التي لا تجبرني فيها الحياة على انشغالٍ مصيريٍّ يتسلى الفراغ\النمل بسرقة روحي، يعد شايه المليء بالقرفة بينما يزرع الوحدة على أديم قلبي، يجلس، يَمُدُّ قدميه باسترخاءٍ ويشرب شايه تاركًا مرارةَ لعناتٍ على شفتي. هذه هي حياتي: ضحية ثنائية الفراغ الذي لا أسيطر عليه والانشغال الذي يسرقني مني، وأنا تسكن أحداقي الحيرة مع قليلٍ من النعاس والرغبة في الهرب. في الحقيقة أود الاعتراف لكم، لطالما تمنيت أن أكون نملة، على الأقل كنت سأقتل كل ذلك الفراغ المستبد وربما أفرح بكل ذلك الانشغال القاتل، وبلا حزنٍ سأستسلم لقدري عندما يمسكني أحد الصبية المشاغبين، يرفعني أمام وجهه بينما ترتدي ابتسامة منتصرٍ وجهه ثم يبدأ تجاربه على جسدي المتناهي في صغره. “هذه أمنيةٌ بائسة”، أنا أعرف؛ لقد قفزت هذه الجملة إلى عقولكم، بس معلش، على الأقل وجع الرأس فيها أقل!
لا أحد في السكن الطلابيِّ إلا أنا والفراغُ وبضعة أصدقاء، سيأتي زملائي في الغرفة -الذين لا أعرفهم-بعد قضائهم للعيد مع عائلاتهم، أي نعم أنا لا أعرفهم ولكنني أعرف شيئًا واحدًا إنهم وحينما يفكرون بقضاء الإجازة مع عائلاتهم لا تكهربهم لعنة “معبر رفح” مثلي! السكن الطلابيُّ فارغ، الغرفة فارغة، قلبي فارغ ويتسلق حنجرتي خرسٌ مر. أنا أعلم؛ ثمة خيطٌ دقيق يفصل بين الوحدة والفراغ ولكنني -ومن شطارتي-أزلت ذلك الخيط، خبَّأته بحرص، إنه مهمٌ لذلك اليوم الذي سأجعل منه مشنقة انتحاري لكن بالتأكيد، أنا نورالدين الذي لا يكره النمل، لا أعاني من الفراغِ أو الوحدة، بالتأكيد يعني.

صاد-5 أو ما بعد الفتح.

قبل خمسمئة سنة احتلت الأحذية العالم. صوت القهقهة يكسر هدوء المكان، الألعاب النارية تسرق من ليلة رأس السنة سوادها، صرن خمسمئة سنةٍ تمامًا الآن، تقهقه الأحذية أكثر بينما تنال قسطًا من التلميع والأحلام بمستقبلٍ أكثر جمالًا، الأحذية تحلم بينما توقفت عن الحلم منذ أن فهمت معنى الكلمة، الحلم عادةٌ تافهة، كهذه الحياة. يا رجل، لا أحد منا يعرف كيف هزمت البشرية، ولماذا تأخر المخلِّص، الكتب المدرسية لا تذكر إلا ولادة فجر عالم الأحذية بعد استسلام آخر” تجمعات البشر الهمجية” في الخامس من تموز لسنة 2099 بتقويم عالم ما قبل الفتح، إنهم وأمام تكنولوجيا الأحذية المتفوقة ظلوا ينتظرون المُخلص، هكذا تُأرِّخُ الكتب المدرسية لتلك الأحداث، أتخيل الصفحات تضحك علينا وبصوتٍ عالٍ، هذا ليس مستحيلًا، يا رجل، الأحذية تضحك علينا بسهولة، وربما في يومٍ ما ستفعل الكتب ذلك أيضًا، عن نفسي أنا أضحك في كل مرةٍ أمر فيها عند تلك الفقرات بل وأنظر بينما تعسكر السخرية على وجهي عندما تنسكب همسًا من أفواه أقراني أسطورة المخلص، “سيد الحفاة”، المحرر المنتظر للبشرية.
ومنذ السنة الأولى للفتح، سنة “أم الفواجع”، بدأ عصر الشركات. المدير العام السابق لشركات شرقيِّ الأطلسي، الحذاء الموقر ذو الرباط الفضي الفاخر، “شار أليس”، والذي درس لسنوات ثقافة “تجمعات البشر الهمجية” وآثار ما خلفوه من تلوث ودمار على مستقبل الكوكب وكيفية استغلال تكنولوجيا الأحذية لإنقاذ هذا الكوكب، قرر إسقاط شكل البشرية في الحكم، لم يعد هنالك جمهوريات أو ممالك، إنها الآن شركات. “شار”، الحذاء ذو الرباط الفضيِّ الفاخر، ديمقراطيٌّ جدًا، إنه يحكم الآن الشركات ومستوطنات بقايا “تجمعات البشر الهمجية” ببسمةٍ فاترة وبتسامح، الرجل قدم لنا كتبًا مدرسيةً قبل أن نصبح عبيدًا، والله، وكانت ملونة ورخيصة، يعني أرخص منا على الأقل.
لا أحد يعرف من أين جاءت تلك الأحذية، لم يذكر ذلك في الكتب المدرسية، ولكن الأكيد أنها جاءت من الفضاء الخارجيِّ نظرًا لامتلاكهم تكنولوجيا متفوقةً جدًا، سحقت البشرية بسهولة. عندما جاؤوا جاءت معهم اللاءات الثلاثة المقدسة التي شكلت العقد بين البشرية وعالم الشركات والتي يسبب الإخلال بأيةِ واحدةٍ منهن الموت؛ 1)”لا تقل كلمة (أحذية)”، في العادة تكلف كلمة “الأحذية” الواحد منا رأسه، إن قولها بصوتٍ جريمة بل ونشرت الجرائد تقارير عن أنهم يجرون تجارب على آليةٍ لكشف محاولة التفكير بتلك الكلمة أيضًا، الأحذية ذكيةٌ ولكنها سريعة الغضب ولغتنا لم تسعفهم، فالأحذية هي الأحذية ولن تكون شيئًا غير ذلك. إنهم يسمون أنفسهم “الأسياد”، منقذي الأرض وحامي المستقبل، هكذا يفضلون أن نفكر وهكذا يريدون أن نناديهم. “شار أليس”، حاكم اتحاد شركات العالم الحاليِّ، فكر أن يجبر البشرية على تعلم لغة الأسياد الأم ولكنه وجده مشروعًا مكلفًا جدًا خاصةً في ظل ضغط مواطني الشركات ضد هذا الفكرة، لغتهم مقدسة ولا يمكن تشريف البشرية بها. 2) “لا تخلع القضبان”، منذ الصغر تُلحمُ بأقدامنا قضبانٌ معدنية سميكة بشكلٍ طوليٍّ متصلةٌ بجهاز إنذارٍ لقوات المداهمة السريعة فيما يشبه نوعًا بدائيًّا من الصنادل يجعل أقدامنا مرتفعةً عن الأرض فنحن لا يحق لنا لمس الأرض، ملامستها تعني أننا ندعي المساواة بيننا وبين الأسياد وهذه جريمة قد تسرق من الواحد منا رأسه، لكنهم لم يصمموا هذه القضبان مستحيلة الخلع، كانت اختبارًا عمليَّا ويوميًا لنظرياتهم في تطويع رغبة البشرية في الحرية، وأيَّةُ انحرافٍ عن المطلوب تعني ببساطةٍ الموت. 3) “لا تعصِ الأسياد”، العصيان حتى ولو كان فرديًا يعني إعادة تكرير الفاجعة على الحساب الجمعي لبقايا البشرية، هذه عقوبة قاسية ولكن القانون قانون، هكذا تعترف الكتب المدرسية.
تُشرف وزارة “المواءمة والتسخير” على شؤون بقايا “تجمعات البشر الهمجية”، فمنذ الولادة تهتم بتنشئة أجيال البشرية وتوزيع طاقاتهم في سوق العمل لتلبية احتياجات الشركات ورفاهية مواطنيها. الشباب الأصحاء مثلي يرسلون إلى مدارس الوزارة ويبدؤون بتلقي التعليم المناسب ليصيروا أوعيةً لمواطني الشركات؛ فلكل حذاءٍ بشريُّ شاب، والبقية الباقية يرسلون إلى مناجم القمر أو إلى قطاع الإنشاءات. اسمي صاد-5 وأنا في الخامسة عشرة من عمري، أكره الحلم، ولا أتحدث في السياسة وكنت أهتف اللاءات الثلاثة بقناعةٍ في طابور المدرسة كل صباح، لم أكن معنيًا كثيرًا بالمستقبل، كنت ابن اللحظة الراهنة دائمًا وكنت راضيًا عن ذلك. قبل أسبوعين، أنهيت دراستي الرسمية بعد أن قدمت بحث تخرجٍ مميزٍ عن أسطورة السيد “نيفاتا جاهد”، حكيم الأحذية القديم الذي تبرع بجسده ليُرسَل في أول رحلة استكشافيةٍ إلى كوكب الأرض، إلى مصر، إلى الفراعنة تحديدًا، في أول علاقةٍ بين البشرية والأحذية وأول سلسلة دراساتٍ لاستكشاف ردود فعل البشرية واتجاهات تكيفهم من أجل التخطيط لغزو هذا الكوكب، كانت دراسةً استمرت قرونًا واستهلكت الكثير من البعثات، ولكنها أثمرت في النهاية؛ الجماعة نجحوا في احتلال الكوكب في أقل من شهر!
لقد عُرضتُ أنا وشهادتي في محلٍ نظيف ولامع، كان أشد نظافةً مني وكنت أغلى بشريِّ في كل المحل، لم يكن بإمكان أي حذاءٍ عاديٍّ أن يشتريني، كنت الأول على كافة أقراني في المدرسة، بصحةٍ جيدةٍ ولديَّ الصمت اللازم لمتابعة العيش وهذا ليس أمرًا شائعًا جدًا. المعادلة بسيطة، إنهم يربوننا ثم يعرضوننا لمواطني الشركات، هذه تجارة الأوعية؛ أي أن الحذاء يرتدينا، نصير وعاءً له، يتحكم بأجسامنا، يسيطر على حواسنا وما يصل إلى عقولنا من معلومات، وكل الإجهاد الذي يصيب أجسادنا وحواسنا نشعر به نحن، لا هم، وفوق ذلك بإمكانهم أن يمنعنا من تنشيط أية حاسةٍ من حواسنا، أو ربما كلهم، نحن رهائن مزاجيتهم، نصير محاصرين داخل عقولنا، بين السواد والانتظار، إنها تكنولوجيا تطويع الوعي البشري، هل مارس أسلافنا عبوديةً كهذه لنعاقب بها نحن؟ نحن عبيد وبؤساء.
بقيت شهرين خلف زجاج ذلك المحل، المكان كان أبيضَ ونظيفًا أكثر من اللازم، هكذا شعرت كلما كانت القشعريرة تسري في جسدي من كثرة التحديق في الزجاج والبياض والعابرين. المدينة خلف الزجاج مليئة بالحياة، جميلةٌ أكثر مما تخيلتها، لا تشبه مستوطناتنا والمدرسة التي عشت فيها، لامعة، لامعةُ جدًا ولا تنام، إنها تسرق جُلَّ نومنا وتمن علينا بالقليل منه، لكن انتظاري لم يطل، تحديقي في البياض والزجاج والعابرين لم يطل عن شهرين، جاء نصيبي. كان باحثًا في تاريخ ما قبل الفتح، لم يخبرني حتى اسمه ولكنه ابتسم في أول لقاءٍ لنا، كان عجوزًا يسكن شقةً عاديةً جدًا على الطابق الخامس ويحب السهر طويلًا، دفع للوزارة ثمني وارتداني. كانت أول مرةٍ أعيش ذلك الشعور، أن يكون جسدك وعقلك ليسا لك، كأنك مجبرٌ أن تعيش في ضيفًا في القصر الذي هو ملكك أصلًا. أي نعم لم يكن يسمح إلا بتنشيط حاسة البصر فقط إلا أنه كان طيبًا معي، أرادني أن أقرأ ما يَقرأ هو بعينيَّ بطبيعة الحال، يغرق لساعات في قراءاتٍ غريبة، يجهدني بمصطلحاتٍ وأسماءَ لا أفهمها، يقرأ عن الرأسمالية والحرب الباردة وداعش والسيارات الكهربائية ومدن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أنا لا أفهم، هذا يخص أسلافي ولكن الكثير من الكلمات ليس لها معنى، كيف يفهم كل هذه الطلاسم؟ لكنه ليس الذي يتعب في النهاية، كل وجع الرأس سيصب عليَّ وحدي.
مضت سنةٌ طويلة منذ أن صرت وعاءه، حلَّ عيد ميلادي السادس عشر قبل أيام، لقد تجاهله، أنا كذلك تجاهلته، إنه مناسبةُ بائسة، والعجوز هذه الأيام حزين، منذ يومين وهو يداوم على شراء زجاجاتٍ تبدو فاخرة فيها مياهُ ملونة بينما يلبس العبوس تعابير وجهه، وجهي بطبيعة الحال. يضع الزجاجات الفاخرة على الطاولة، يخرج إلى شرفة الشقة الواسعة ذات الدربزين الحديدي السميك والمزين بإتقان، يتأمل الليل اللماع لدقائق ثم ينشط جميع حواسي ويخلعني هناك ويغلق الباب بإحكامٍ دون أن يقيد حركتي، هذه المرة الثالثة التي يقوم بذلك.
تداعب ريح المدينة وجهي، القضبان في قدميَّ مزعجةٌ كما لم تكن من قبل، الريح تشتت أفكاري، لست مهتمًا بأيِّ شيءٍ بعد الآن. لوهلةٍ تمنيت لو ولدت أضواء مدينة، عشت مبتهجًا ولا وظيفة لي إلا اللمعان، غرقت في التمني، التمني الأشد بؤسًا من الحلم، عادة البشرية السيئة. جلست على الدرابزين السميك للشرفة تاركًا قدميَّ كغصون داليةٍ متشبثةٍ بشرفةٍ ما، كنت قد رأيت العجوز يفعل ذلك مرةً ويسرح في الأفق، رفعت إليَّ قدمي اليمنى، لدقائق تأملت القضبان، تأملت حياتي، تذكرت وسرحت بالمستقبل ثم وبحركةٍ خاطفة خلعت القضبان منها، كان ذلك مؤلمًا، ليس مؤلمًا كما كان ألم ذلك التأمل، إنه فقط كأنني خلعت جزءًا أصيلًا مني، كيدي مثلًا. الألم جعل رأسي تغلي ولكنني وبسرعة أكثر من السابقة خلعت القضبان من قدمي الأخرى، دمي يسيل، لا شك أن قوات المداهمة السريعة في الطريق الآن وأنا بعكس ما تصورت هادئ كما لم أكن في حياتي، دمي يسيل، وقفت محافظًا على توازني بصعوبة، هذه المرة الأولى التي أقف فيها بلا قضبانً في قدميَّ، إنني حزينٌ أن هذا الوقوف لم يكن على سطح الأرض. شعور الوقوف بلا القضبان مختلف حتى لو كان أول ما وقفت عليه هو درابزين شرفة العجوز، توازني ليس ثابتًا ولكن الدرابزين السميك يتسع لقدمي ذات الستة عشرة سنةً أو ذات الدقيقتين، أجل في الحقيقة عمرُ قدميَّ دقيقتان. أنا متعب، لقد طال انتظاري، التأمل في الأفق ينهك الروح والسخرية التي كانت تعسكر في وجهي طويلًا في الحقيقة كانت كذبةٌ كبيرة، أنا وكأي بشريٍّ بائسٌ وحالم، لم أكن إلا بشريًّا بائسًا وحالمًا دائمًا. دمي يسيل، أرجوك تعال، أنا أنتظر، أحلم وأزيد بؤسًا. صوت المدينة يزداد علوًّا، الأضواء تزداد لمعانًا، أشعر بالدوار ولكنني أصرخ بصوت المرارة: “يا “سيد الحفاة”، مخلص البشرية المنتظر، أين أضعت الطريق؟” قبل أن أفلت قدميَّ قافزًا للأبدية من على شرفة الطابق الخامس.

الجبان

كنت قد عزمت، سأضغط الزر هذه المرة. الرغوة تملأ البانيو الصغير، أمي تفرك شعري بيديْها، تفركه بشدة، لم يكن ذلك حنانًا، ربما كان، لست أعرف، أنا فقط كنت أكره الاستحمامَ ككل أطفال الأمهات المهووسات بالنظافة. قدماي الصغيرتان لا تستطيعان بلوغ آخر البانيو، لقد كنت في الرابعة أو الخامسة حينها، خلفي الزر المغري، خلفي تمامًا، إذا رفعت رأسي قليلًا أراه، إذا قمت بالضغط عليه كما كانت تفعل أمي حينما يكون مزاجها جيدًا سوف يخرج الماء مندفعًا من عدة فتحاتٍ في البانيو الصغير، سيدغدغ كل أطرافي، يزرع في جسدي رعشةً لذيذة، ولكن أمي ستغضب، ربما تمطر يدها لسعات ٍ على جسمي كما هددتني سابقًا، لقد ظلت تحذرني من ضغطه مرارًا، تقول: ” تعصش عالزر بالمرة” ملوَّحة ً بسبابتها المليئة بالصابون أمام وجهي، وأنا أهز رأسي، أخاف الزر وأشتهيه، وأتخيل الدنيا تمطر لسعات على جسمي، أتخيل أمي غيمةً بل سماءً!
هذه المرة وبينما كانت أمي منشغلة بفرك شعري بالصابون، نبت صوت طنجرة الضغط كصافرة قطار، أمي تركتني، هرعت إلى الطنجرة لتحسب الوقت، نسيت أن تغسل يديها من الصابون؛ إنها فرصتي الآن، أنا سأضغط الزر ولو لمرة، أنا سأضغطه؛ هكذا فكرت وقتها. ذاكرتي مشوهة، هل ضغطت الزر أم لا؟ ماذا حصل؟ أغرق فيَّ بحثًا عن تكملة الحدث، لا شيء، تخونني الذاكرة، يتملكني فقط مزيجٌ من الخوف والكره أمام كل زر. أنا أكره الأزرار وأخافها أيضًا، إن كل الأزرار تذكرني بالرهبة التي تزرعها فيَّ سبابة أمي المحذرة والمليئة برغوة الصابون، في كل مرةٍ أقابل فيها زرًا أحسبه للوهلة الأولى سبابة أمي الدقيقة والطويلة، والمُهْتزَّة كرقاص ساعةٍ أو ربما كسوط.
أنا لست جبانًا، أعني لست جبانًا تمامًا. معركتي مع الأزرار فقط، الأزرار كائنات غدارةٌ وتحذر الأمهات منها. كثيرًا تمنيت أنها لو لم تخلق، إن الأزرار أفسدت عمري؛ في كل مكانٍ يلاحظ أصحابه علاقتي السيئة معها تبدأ عيونهم بغزْل نظرات السخرية، للآن لم يتفهم أهلي علاقتي السيئة معها، عند أقل خطأٍ ينسون كل شيء ويستدعون “الفضيحة” جبني وخوفي من الأزرار كما يدعون، أنا أكره الأزرار حقًا أريد أن أهدم عالمها وأعود إلى عالمي الخاص، أريد أن أثبت لهم، أنني برغم علاقتي السيئة مع الأزرار جريءٌ ولستُ جبانًا. المعلمة فاتن، مدرِّستي في الروضة، وشيرين، سيد كلاب الحارة والعالم، يشهدان على ذلك.
في الروضة، عندما كانت براءتي تحجب حقيقة الأزرار عن عينيَّ، عندما لم أكن شبحًا غارقًا في ذاتي، كنت جريئًا! في الصباح، وبعد أن أنزل من حفلة الضوضاء التي اسمها “باص الروضة”، أشيح بنظري عن زملائي ثقيلي الدم وعن باب الروضة باهت اللون، وفي لحظة اشمئزازٍ طفولية غريبةٍ أقرر أنني لن أحضر الدرس، سأعود إلى البيت! لقد تكرر ذلك مراتٍ كثيرة. أشتري مصاصتين ورقائق البطاطا (بطاطس)، أمشي حينًا، وأتهادى كراقصة باليه حينًا، وأغني أغنية روضتنا بشماتةٍ حتى أصل البيت، أمي ليست في البيت، والتلفاز وحده كملكٍ انفضت عنه حاشيته، قلبي عليه ومعه، من سيؤنس وحشة صديقيَ الوحيد إن لم أفعل؟
في المرة الأخيرة وصلت البيت أسرع من كل مرة، لم أهدر الوقت في الطريق كثيرًا، كانت المعلمة فاتن قد شاهدتني وأنا أصبغ نظرة الاشمئزاز الطفولية على كل ما أراه أمامي وأغادر عائدًا غير عابئٍ بعيوننا التي التقت. اتصالاتها بدأت تطرق مسامع أمي، لقد عادت أمي مسرعة وغاضبة، الشكاوى صارت كثيرةً والولد بدأ يفلت. عندما فتحت أمي الباب بقسوةٍ كنت آكل رقائق البطاطا التي اشتريتها، أشاهد التلفاز بصوتٍ عالٍ، لم أكن قد خلعت حقيبة الروضة عن كاهلي بعد، ولم أكن مستوعبًا لماذا وصلت أمي باكرًا على غير العادة، ولكنني ضحكت، ضحكت وأكملت الأكل، تحين مني بين الفينة والأخرى نظرةٌ للتلفاز، أمي غاضبة وأنا أضحك. بدت على وجهها الحيرة، بيد أنها وأمام ضحكي اكتفت بأن تشد أذني بشدةٍ وتحذرني بلهجة غلفتها بجديةٍ وقسوةٍ بألَّا أكررها. ولم أكررها بعدها ولكن الأمر كان ممتعًا بحق. المعلمة فاتن لا تزال ما تزال تذكرني حتى الآن، تضحك بينما تعيد سرد الأحداث بتفاصيلها في كل مرةٍ نلتقي صدفةً فيها، إنها تعاند الزمن، إنها تتذكر!
لكنهم لا يعرفون شيرين ولا كلابه. أنا الآن طالب حقوقٍ في بداية السنة الرابعة، ولست أوّلَ الدفعة، مهووس الأزرار الجبان والذي لا يكلم إلا نفسه، كما يدعي بقية زملائي. يعني أحيانًا أكون كل ما سبق عدا كوني جبانًا. إن وضعنا جانبًا معركتي مع الأزرار فإنني أشجعهم، إنهم جبناء، يكلمون أنفسهم دائمًا، لديهم عوالم أخرى في عقولهم، ولكنهم بخلافي لا يملكون شجاعة الاعتراف بأنهم يكلمون أنفسهم؛ نعم أكلم نفسي، وشو يعني؟ لو سمع شيرين، سيد كلاب حارتنا والعالم، كلامهم عن جبني لغضب، مغامرتي معه تثبت أنني لست جبانًا بل أنني حتمًا مجنون.
كان شتاء الصف السادس، كالعادة كنت التزم مملكتي؛ طريق المدرسة والبيت فقط. كانت بيارة شيرين آخر القلاع الخضراء المتبقية في الصحراء الاسمنتية الزاحفة في منطقتنا، أسوارها عالية، كلما مررت بجوارها حسبتها تصافح الغيم. سورها معمَّمٌ بأسلاك شائكةٍ طويلة مسروقةٍ من المستوطنات. يشتهي كل أطفال الحارة تسلقه، إنهم يسمون الحمضيات خلفه بفاكهة الجنة، محرمة ومشتهاة وخلف أسوارٍ معممةٍ بأسلاكٍ شائكة، هذا أقصى خيالنا حينها عن المستحيل. لكنهم حاولوا تسلقه، نجح عدةٌ في تسلقه، لقد تمزقت الكثير من السراويل والقمصان في الطريق إلى كسر مستحيل السور، لقد نجحوا. ولكنها بيارة شيرين، المستحيل الذي يُكسر يولد منه مستحيلٌ أثقل. من استطاع تسلق السور أرعبته أشكال الكلاب حديثة الوصول، إنها شرسة، سوداء بأنياب مدببةٍ وحادة ولعابها يسيل بكثرة. إن كلاب شيرين تتربص بكم، هذا كان حديث أطفال الحارة -وكبارها- لمدة، من صعدوا السور نسجوا أسطورة تناقلها كل أهل الحارة، الأسطورة ولدت ومستحيلٌ آخرٌ ابتدأ. أربعة كلاب بدت كعائلة، دائمة النباح وشرسة، تعتبر بيارة الحمضيات أرضها المقدسة، ولن ترحم من يقع لها، هذا ما تشي به عيونها التي تنتظر فريسةً ما.
كلاب شيرين ستأكلك، هذا ما تقوله أمهات الحارة لتجعل الأطفال ينامون باكرًا. شيرين هو السيد، إن التهديد باسمه أشد وقعًا من التهديد بكرباج الآباء المرعب والمخبأ في الفراغ بين الحائط والدولاب، اسم شيرين أو ذكر كلابه هو التعبير المطلق عن الخوف في أذهان أطفال الحارة وربما في أذهان الأمهات أيضًا. وأنا أشاهد، كل يومٍ أمر بجانب بيارة شيرين، أتحسس أسوارها وأستشعر مستحيلها في أساطير حارتنا. كل ليلةٍ أسمع النباح الذي يفترس صمت الأفق، أرى الليل الذي يتكور كجَنينٍ حول نفسه خوفًا، وأنام.
ولكن وفي نهاية يوم مدرسيٍّ غائم، كان زملائي كثيرو الغلبة، يتناقشون إذا كان من الممكن أن يسرق أحد ما، كبيرًا أو صغيرًا، من أشجار شيرين، أشجار الجنة. احتد النقاش بين من يحاولون تحدي الأسطورة –بالكلام طبعًا-وبين عبيدها. صرخ أحمد، قائد مشاغبي الصف، مؤكدًا استحالة أن يفعلها أحدهم، بدأ يلوّح بأصبعه محذرًا الأدعياء الذين يتخيلون إمكانية غزو قلاع بيارة شيرين، أحمد حاول، كان ممن تمكنوا من تسلق السور الطويل، ولكنه رأى كلاب شيرين، عيونها افترست كل شجاعته، ونزل بحذر وارتجاف، إنه أحد الذين صاروا يعتاشون على رواية الأسطورة وتنميتها،  بعد أن كان أحد مناهضيها. ولكنني تقدمت، تخطيت الصفوف وقلت: “أنا هعملها”، بوجهٍ متماسكٍ وبصوتٍ واضح، لثوانٍ جلس الصمت على ألسنتهم كملك، عيون أحمد اتسعت، بدا كأنه يبحث عن لغته، المساكين تاهت مفرداتهم ولكن عيونهم وشت بكل شيء، إنهم لم يتوقعوا من غريب الأطوار الذي يخاف من الأزرار والذي يمشي الحيط الحيط دائمًا أي ذرة شجاعة. تصاعدت أصواتٌ مستنكرة في الحشد، ولكنني وقبل أن يستجمعوا لغتهم تمامًا، قلت: “هلقيت واحنا مروحين هنزل عليها” وسرت مباشرةً إلى هناك.
لقد صعدت، أنا الآن أمسك الأسلاك الشائكة من الأماكن غير المسننة وأحاذر ألَّا يتمزق سروالي. أنظر من فوق إلى حشد الصبية والرجال والنساء المشدوهين الآخذِ بالازدياد، وأكمل محاولة تخليص نفسي غير ملتفتٍ إلى صيحات الاستهجان والتحذير والشماتة. لقد نزلت، لم يتمزق سروالي، هذا انجازٌ مطمئن، بهدوءٍ وضعت قدميَّ على الأرض، إنها جنةٌ فعلًا، خضراء وواسعة، مشعةٌ بدفءٍ غريب ومستحيلة. هنالك سكونٌ ثقيل ومخيف، أول شجرة تبعد عني خمسة أمتار، وسًّعت خطواتي وتقدمت بحذر، أنا خائف، طبعًا لست جبانًا ولكنني خائف، لعنت الأزرار وما فعَلته بحياتي، ارتجفت، ولكن شيئًا ما دفعني إلى الاستمرار.
وصلت، وبينما أقطف أكبر حبة برتقالٍ رأيتها في حياتي، نبحت كلاب شيرين، كل كلاب العالم نبحت، شعرت أن شعر رأسي وقف، عيوني جحظت وبدأت أشعر بحرارة في جسمي، والكلاب تعدو، وأنا أركض، أنا لم أعرف  قدميَّ، لم أفكر إلا في القفز عن السور، جسمي حار والكلاب تعدو، تقترب، يسرق الرعب بقايا عقلي، أعضائي تتحرك وحدها، غريزتي تنتصر، والسور أمامي، لقد قفزته على مرتين، بقفزتين وصلت القمة، وبفارق خمس ثوانٍ عن وصول الكلب الأول، رفعت قدميَّ فوق الأسلاك الشائكة، تمزق سروالي هذه المرة ولكنني نجوت، لقد نجوت بمعجزة، بغريزتي!
لم أنتبه إلى البرتقالة التي كنت قد عصرتها في قبضتي أثناء الهرب، نظرت إليها بكرهٍ وفرحٍ وفخر، إن حياتي مزيج هذه المتناقضات التي تتصارع داخلي. الحشد الذي تضاعف أصيب بالدهشة، تملَّك الصمت الثوانيَ كلها، كنت ألهث وأنظر إلى برتقالتي التي عصرتها، برتقالةُ شجاعتي المطلقة، لقد نظرت إلى الحشد، إلى أحمد الذي ظل واقفًا مبهوتًا كطلاء ٍ أنهكته الشمس، رفعت برتقالتي إلى الأعلى وبدأت المشي مزهوًا تجاه منزلي. بعد ثوانٍ قليلة استيقظت آلام قدمي التي جرحت، إنه ألمٌ فظيع ولكن لا جروحي ولا سروالي الذي تمزق ولا صراخ أمي الأكيد بعد قليل يستطيع أن ينزع مني نصري هذا، نعم أنا لست جبانًا، أنا أول من أشعل النار تحت أسطورة كلاب شيرين.
لفترةٍ صار الكبار والصغار في الحارة والمدرسة ينادونني “أبو شيرين” لقد صرت علمًا لفترة، تناسوا علاقتي السيئة بالأزرار، يعني إلى الوقت الذي ذبلت فيه مغامرتي وصارت عادية، وعدت إلى مملكتي، طريق المدرسة والبيت فقط. وشيرين الرجل الذي لم أره ولم يراني لليوم، ولكن مغامرتي مع أسلاكه الشائكة وكلابه المرعبة جعلت اسمي مألوفًا على مسامعه، صرنا خصمين لدودين لم يلتقيا من قبل، لكننا نعترف ببعضنا: أنا أعترف أن محاولاتي في الوصول إلى أشجار الجنة، هي أجمل ما عشت وهو يعترف أنني الأول الذي هزم كلابه، أول من أفلت منها!
والآن وعلى طاولةٍ منظفةٍ على عجلٍ في كافيتريا الجامعة، وبينما نحن جالسون نأكل برتقالًا طازجًا، تسألني وبدون أي سياقٍ، ماذا أخطط بعد الجامعة! الحقيقة أن جسدي فقط ما كان جالسًا معهم، كان عقلي يعود بالزمن، يحلم، يتخيل، لكنه لم يكن يتذكر بالطبع، الذكرى للأشياء التي انقضت، وأنا لم تنقضِ شجاعتي، هذا ما تحاول عيوني إخبارهم به. كل الدفعة تكرهني وتحبني في ذات الوقت، أنا جبان وأكلم نفسي فقط كما يدَّعون ولكنني –ولحسن حظهم-لست من طراز أوائل الدفعة اللئِام، أنا أساعد، لست لئيمًا، أنا فقط لدي عالمي الخاص! يجلس جسدي معهم ويحلق عقلي، إنَّ ما تشي عيونهم به غلط، أنا فقط علاقتي سيئة مع الأزرار ولست جبانًا، قد أكون أهبلًا لكنني لست جبانًا.
لقد قاطَعت غوصي في عالمي الحقيقي، هربي من عالمهم المزيف، وسألتني: “شو بتخطط بعد الجامعة؟”، بصوتٍ مرح، وبعيونٍ يتكدس الحلم فيها كبريق. إنها الوحيدة التي لن أغضب منها إن قطعت عليَّ غوصي في عالمي، تعلمون، أحيانًا أشعر أنني أحبها. سلمى دائمًا تنتبه لي، حتى حين أشيد حولي أسواري، لا تعبأ بالهامش الذي أعيشه، ربما على الأقل تهتم لا تبالي بما يشيعون عني، ربما تفهم أنني لست جبانًا، لو لم أنذر حياتي لمعركتي مع الأزرار لكنت أعطيتها عمري! العيون عليَّ الآن، أنا أكره العيون عندما تصب انتظارها عليَّ، تربكني، تسرق من يديَّ لغتي، ولكن وحده أحمد، كبير مشاغبي الصف سابقًا، لم يكن ينظر، عيونه في الأرض، أجزم أنه أكثرهم انتظارًا لجوابي، إنه ومنذ مغامرتي مع بيارة شيرين كما ظلي، في كل صفٍ أدرس فيه يكون ورائي بمقعد، في الجامعة دخل نفس تخصصي، نفس دفعتي، بل وفي كل شعبةٍ أدخلها يكون، لا يحدثني كثيرًا ولكنه يؤمن أيضًا أنني لست جبانًا، إنه ظلي، أو هكذا أتوهم، أحتاج أن أشعر أنني مركز شيءٍ غير عيون الناس وغيبتهم!
“أريد أن أصير محامي أكبرِ عائلةِ مافيا في العالم، بعدها سأشتري في بيتي الذي لن يحتو أزرارًا ولا بانيو تلفازًا كبيرًا، بحجم حائط البيت ربما! أنا سأشتري بيارة شيرين كلها وسأبدأ معركتي الكبرى مع الأزرار، أنا من سيسقط حكم الأزرار، أنا من سيفعل!”، هكذا وبفصحى الرجل الذي يخطب في الجماهير قلت، بيد أن صوتي لم يصل عتبات الشفاه، إنهم لن يفهموا، حتى هي لن تفهم، نظرت قليلًا إليها، تأملت البرتقال أمامنا، فاكهتي المقدسة، رمز شجاعتي، تمتمت بكلمةٍ أنا نفسي لم أسمعها وأخذت برتقالةً وقمت وأنا أسمع حديثهم عن غرابة أطواري. أنا متأكد أنهم لن يفهموا، حتى هي لن تفهم، هذا العالم لن يفهم، أنا لست جبانًا، هذا واضح، ولكنني برغم وضوح ذلك يجب أن أسقط حكم الأزرار، على الأزرار أن تسقط، على الأزرار أن تسقط!

نشرت هذه المحاولة القصصية على صفحة “قصة وشعر” على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”.

فتى “النص نصيص” والشجرة.

 “أريد أن أصير شجرة”، هتف بفصحى الأطفال المحببة بعد أن غرس كعب قدمه اليمنى في طين حوْشِهم اللين. الحوش واسع، بأشجار عدةٍ، وببابٍ صدئٍ يكاد صريرُه يوقظ كل نيَام الحارة حتى الأموات منهم. لحظتها كان صبية الحارة جميعًا يلعبون بطين الحوش، أو بالأحرى يلوثون ملابسهم فقط كجزءٍ ضروريٍّ من الدورة الطبيعية للَعب الأطفال وصراخ الأمهات. وليثٌ يريد أن يصير شجرة؛ هكذا ظل يهتف بينما يفرك قدمه الصغيرة بشدةٍ في الأرض، يغرسها أكثر فأكثر، والبسمة تسكن شفتيه، البسمة جعلت وجهه الأسمر الغضَّ حديقةً قبل أن يصير شجرةً حتى. يلوح بيده للأعلى، يصرخ ثانيةً: “أريد أن أصير شجرةً يما” ويضغط على كعب قدمه اليمنى المغروسةِ في الطين المبلل، يفركه فركًا ويضحك، “أريد أن أصير شجرةً يما” يكرر، ويلوح بيديه المتسختين. ترد أمه التي تراقبه من النافذة على تلويحه بتلويحةٍ أخرى وتسأله ببسمة تزيد جمال وجهها: “شو هتسمي السجرة؟” نظر محتارًا لثوانٍ، صفن بعيدًا لكن حيرته كانت كاملةً، كما لو أن لا شيء يخطر على باله، قال بعد عناء وبتواطؤٍ من تلويح أمه له: “مش عارف إساع” وعاد ثانيةً للتلويح والضحك بارتباك. كانت ابتسامتها صافية وتنهداتها مسموعة، إنها ربما الأم الوحيدة التي لن تصرخ على ابنها عندما يجعل ملابسه مملكةً جديدةً للطين، بل إنها تبتسم، تلوح له وتكمل مشهدًا غريبًا مفرطًا في سعادته لا يقطعه إلا إلحاح زوجها بأنها ستخرب الولد وأنه خلص صار ابن أمه. لكن الولد لم يخرب، أعني لم يخرب تمامًا، صارا صديقين فقط، توأما روحٍ لدرجة أن التقاء عيونهما في العادة كفيلٌ بأن يفهم كلٌّ منهما الآخر!

حينها كانت غارقةً في تذكرها. لثوانٍ لم تلاحظ أنها دخلت العمارة، العمارة واسعة، هادئة وغير مزدحمةٍ رغم طوابقها العشرة. شمس الرابعة عصرًا جميلة بيد أن سحابة الحزن والحيرة التي نبتت على وجهها وشت بغيابها في جحيم الذاكرة، خطواتها رصينة كما يليق بخطوات كهلة، وظهرها محنيٌّ كما لم يلاحظ ليثٌ من قبل، وهو يتبعها كظلها، كالولد الصغير الذي كانه دائمًا، الولد الذي لم يزله.

حين انتبه إلى المصعد الذي أمامها كان الوقت قد فات، وكانت المفاجأة قد سقطت على رأسه، أصابته الدهشة بصاعقتها، وكبرت بسمةٌ بلهاءٌ على محياه؛ لقد ضغطت زر المصعد، الآن وبعد هذا العمر لقد ضغطت أمه زر المصعد! أمه، الكهلة التي لا ترتدي إلا مناديلًا تحرص أن تكون بيضاء ناصعةً ضغطت زر المصعد؛ إنها مرتها الثانية فقط في عمرها الطويل. المرة الأولى –والتي حسبها الفتى المرة الأخيرة-كانت في القاهرة. لطالما حدثتهم عن رحلتها الوحيدة إلى تلك المدينة الضخمة، لقد خرجت صغيرةً إلى عالمٍ لم تر مثله قط لتزور هي وأمها أخيها الأكبر الذي كان يدرس الطب هناك. هناك، وفي الطابق الأرضي من العمارة التي كان يسكنها، كان المصعد، إنه لقاؤها الأول معه وكعادة الأطفال في إشعال شموع الأسئلة التي يسارع الكبار لإطفائها، سألت: “شو هاض؟”، خاله آنذاك أحب أن يلاعب أخته، قال: “Ascenseur” بفرنسية جيدة وأشار إلى المصعد بأصبعه، البنت لم تفهم، لم تسمع جيدًا، لكنَّ ما علق في أذنها كان فقط “نص نصيغ” (لاحقًا صارت “نص نصيص” مع كثرة رواية الحادثة وتكرارها) وجرت طفلةً تتهادى إلى المصعد بمرح، ضغطت الزر وانتظرت، صعدوا وصعد بهم “النص نصيص”. لم تدرِ ما الذي أخافها، أكانت أمها وهي تمسك بقلقٍ بادٍ العصا الحديدة المثبتة في آخر المصعد؟ شعورها أن قدميها ليستا متجذرتين في الأرض أنها لا تنتمي إلا للصفيح والهواء أم صوت الصرير المفزع لذلك المصعد المتهالك أثناء صعوده؟ لكنها خافت، التصقت بقدمي أمها القلقة بعنف، بكت، وجهها المرح قبل دقائقَ صار غيمةً تدمع وبدأت بالصراخ” نزلني نزلني” ومن يومها لم تضغط زر “النص نصيص”، برمجت حياتها على تجاهله، لم تركبه إلا حينما قضمت الكهولة صحتها، تركبه متمسكةً بشيءٍ ما فيه، مغلقةً عينيها وبصحبته هو، لقد كانت تصحبه معها –مجبرًا-في أقل مشوارٍ تضطر فيه لركوب “النص نصيص”، يأتي ليضغط الزر ويرافقها في الصعود والنزول فقط، ابنها الوحيد، المهندس ليث، سندها، بئر مخاوفها وأسرارها، كان يحاول بشدة أن يهضم ثقل هذه الدهشة بفرحٍ وصمت.

ضغطَتْ على رقم الطابق بعد حيرةٍ وشى بها تعلق إصبعها في الهواء أمام لوحة المفاتيح لفترة ملحوظة، إنه الطابق الثالث، بدا أنها تذكرت بعد عناء، وبدأ “النص نصيص” في الصعود. أمسكت العصا الحديدية بإحكام، تنفسها مسموع ولعناتها الغريبة على الكهولة كذلك، و”النص نصيص” يصعد، بطيئًا غير متهالكٍ وبلا صوتٍ مزعج، يصعد، وليث عيناه تبتسمان، لقد عاش ليرى هذا اليوم الغريب، عينا أمه في الأرض وفرحته عارمة، لكنه يحاول أن تلتقي عيونهما يريد أن يفهم بلا أن يسأل، أن يفهم لماذا هم هناك؟ لم تلتفت له منذ بداية، ربما لم تلحظه، أو ربما تجاهلته فقط، هكذا فكر في البداية لكن أمه استمرت فيما ظنه تحاشيًا للالتقاء عيونهما.

إنها العمارة التي تسكن فيها التي جننته، العمارة التي اعتاد الانتظار مقابلها في طريقه من منزله الذي يبعد عنها شارعًا إلى عمله. خمسةُ دقائق كل صباحٍ كان يقضيها-كالعصافير أو مراهقي الثانوية-متربصًا بالجميلة التي تخرج كل صباح إلى شرفة الطابق الثالث، في الثامنة تمامًا، تفرد الجميلة كما يشير إليها متغزلًا أو سلمى كما يسميها أهلها أو أم المناكير كما يسميها أهل الحارة أصابعها العشرة فيما بدا محاولةً لتسريع جفاف طلاء أظافرها، كل يومٍ في الثامنة على ذات الشرفة بشعرها المرتب على عجل والوجه غير المستيقظ تمامًا، الوجه الجميل، أو الذي أحبه هو بافتنانٍ لم يستطع – ولم يكن ليستطيع-أن يخفيه عن عيون أمه. لستة أشهر ظل يقضي خمس دقائق من كل صباح يوم عملٍ هناك، قبالة شرفتها تمامًا، خلص في الثامنة تمامًا إن مررت هناك، كنت لترى ليثًا واقفًا والسرَحان يخطف ملامحه، خمس دقائق كاملاتٍ، المدة التي تسمح فيها سلمى لنسيم الصباح بأن يتخلل وجهها، أصابعها وطلاء أظافرها، كنَّ كذلك حصته من الجنة طوال اليوم.

سلمى طالبة آداب ذكية، تصغره بأربعة أعوام، بهيَّةٌ كأميرة ومجنونة قليلًا، هذا عرفه بعد بحثه الصامت والحثيث عنها. لكنه لم يكن إلا جبانًا كما دائمًا، ربما هذه المرة كان أهبلًا حتى، لم ينتظر يومًا ليراها ذاهبةً إلى جامعتها، خلص ظل ينتظر اليوم الذي يكسر فيه لعنة خوفه وجُبنه بطريقةٍ ما، كيف لا يعلم، لم يسأل ولم يبحث عن طريقةٍ يومًا، فقط عينا أمه كانتا تحاصرانه وتذكرانه بما يتمناه وما يجبن أو يتكاسل عنه، وفي كل مرةٍ يهرب من عيونها، من المواجهة، ومن كل شيء.

لم ينتبه أن باب “النُّص نصيص” انفتح، كان غارقًا في تذكر حكايته مع هذه العمارة، انصعق عندما أدرك أنها مرته الأولى التي يدخلها، المرة الأولى التي يصعد فيها إلى ذلك الطابق، بيد أن خطوات أمه مسموعةِ الصوت سحبته من عوالم تفكيره، سارت بخطوات الكهلة الرصينة، توقفت أمام باب الشقة ذات الرقم 149، الزمن بطيء، الزمن حينها صار سكينًا على رقبته، لم يعلم أيفرح أم يغضب، لكن ما زاد حنقه وحيرته أنه لم يفهم أمه، هذه المرة الأولى التي يحدث ذلك، ظل يلعن الأشياء التي تحدث في الوقت الغلط، كان يجب أن يفهم، مثلًا: لماذا كما لو أنها كانت تتجاهله؟ كانت قد وصلت باب الشقة، الآن قد تكون الساعة الحاسمة.

إنه يكره اللحظات الحاسمة، يكره المواجهة ويحب جُبنَه وراحَته، هكذا كان يشعر في قرارة نفسه دائمًا. تأملت أمه الباب، هنالك خدش واضحٌ في الجانب الأيسر من الباب الخشبي، يدها معلقة أو أنه صار يرى الوقت بطيئًا، أو لم يعد يفهم شيئًا، أو حتى لم يعد يثق بحواسه. يدها معلقة، لقد تسرب ترددها إليه، وفي لحظةٍ لم يدرها كانت قد أنزلت يدها، خطت خطواتٍ مسرعةً تجاه “النص نصيص” في خيانةٍ واضحةٍ لخطوات الكهولة الرصينة، وضغطت زر “النص نصيص” -للمرة الثالثة في عمرها، دخلته، أمسكت العصا الحديدية في طرفه وظلت تتَمتم أشياءَ كثيرةً لم يفهمها. أراد أن يفهم، أوشك أن يمسك كتفي أمه ويهزها، أراد أن يخبرها بأن تنظر إليه، أراد أن يفهم ولكن شيئًا ما في داخله كان مرتاحًا، لقد هرب ثانيةً من لحظةٍ حاسمة، من مواجهة ما، لقد هربَ واستراح.

انتزعه صرير باب حوشهم الذي يوقظ كل نيام الحارة دائمًا من غرقه في نهر الذاكرة والحيرة. أمه أمامه بخطواتٍ عديدة، لم يعد كظلها، أو فضل أن يجلس أمامها في البيت ويفهم كل شيء. المساء يمازج آخر أشعة النهار والحوش رغم كل ما تغير فيه إلا أن طينه المبلل والمليء بالبرك الصغيرة لا زال كما هو. أمه أسرعت خطوها، دلفت إلى المنزل وارتمت على أقرب كرسيٍّ في صالة المنزل، لم تخلع منديلها ناصع البياض حتى، ارتمت يقضم التعب من رغيف عمرها، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في انتظارهما؛ على الكرسيِّ المقابل كان جالسًا قدمه اليسرى على قدمه اليمنى ويداه متشابكتان، بدا كما لو أنه في طقوس انتظارٍ مضنية، ملامحه جادة، ليست غاضبة لكنها حازمة، يملؤها حنقٌ يتطاير شررًا من عيونه المعممة بالهالات السوداء. قال زوجها كاسرًا على الصمت الثقيل سطوته: “بدكيش تخلي الولد يرتاح في موتو؟” وليته لم يقل، انهارت عيونها الحمراء أصلًا في بكاء طويلٍ واستولى النحيب على حنجرتها، حَكَت عن أشياء كثيرةٍ، لعنت كل الدراجات النارية في العالم: سائقيها ومخترعيها ومصنعيها. والأب ثابت في مكانه، غضبه من العالم صار أساورَ سوداءَ تحاصر عينيه، تزيده هرمًا وحزنًا، وزوجته تندب حظها، هذا العالم أخذ منها أعز ما تملك.

في اليوم الذي قرر فيه ليث أن يذهب ويواجه كل شيء، في المرة الأولى التي قرر أن ينتظر سلمى، وأن خلص يجب أن يختار لحظته الحاسمة ويكسر لعنة خوفه وجبنه بيديه، بانتظاره دقائق إضافيةٍ إلى أن تخرج سلمى، سقط! هذا العالم -ابن العرص- يعاقبنا على تفكيرنا بشجاعة. كانت الوحيدة التي تعرف أنه اتخذ قراره، ولكن هذا العالم تآمر عليها، عليه وعلى أحلامهم، واختطفه حادث دراجةٍ ناريةٍ من بين يديها، تسرب في لحظة واحدة، لحظته الحاسمة كانت في الحقيقة لحظةً حاسمةً عليه، عليها وعليهم أيضًا. لقد تذكر، حينها فقط فهم. لا أحد يراه، لا عيون تراقب صدمته، ولا أحد يخفف عنه نار تذكره، أو لظى لعنة الفهم.

جوقة نحيب أمه وصمت والده مستمرة، تنافر الصمت والنحيب، العيون المعممة بالهالات السوداء والعيون الحمراء البكَّاءة وموته. على الباب خلفه الحوش وأمامه تلك الجوقة، خلفه ماضيه وأمامه مستقبله، بيد أنه أدار وجهه، خطى خطواتٍ ثابتةٍ باتجاه الحوْش، أقدامه اتسخت بالطين ولكنه وبعد خطواتٍ قليلةٍ أخرى وصل، غرس كعب قدمه اليمنى بقوة في الطين المبلل كما كان يفعل دائمًا، فكره أكثر، وصرخ:” أنا شجرة واسمي سلمى”، هذه المرة لم يكن هنالك أحدٌ يسمعه، لم تلوح له يدا أمه ولم تسكن البسمة شفتيه. “أنا شجرة واسمي سلمى” كرر، كان صوته مجروحًا وصدى الصمت والنحيب يلاحقه، يكويه، ويلعنه. يقاوم حقيقة موته بصراخه، هذه شجاعته الأخيرة، لقد صار في لحظةٍ حاسمةٍ شجرةً اسمها سلمى، أو صار مجنونًا لا أحد يراه، لا، في الحقيقة لقد صار كليهما، صار شجرة ومجنونًا، صار شجرة ومجنونًا!